"الإقتصاد ما بعد الكورونا"
شملال سفيان
مما لا شك فيه أن وباء كورونا الذي
اجتاح تقريبا جل دول العالم، بدءا من الصين لكوريا الجنوبية ليمتد
لإيطاليا، فرنسا، إسبانيا... و باقي الدول. حيث أن ما لقبته منظمة الصحة العالمية
بالجائحة لا تعرف البلد المسلم من الغير مسلم، البلد الغني أو الفقير بل و حتى
المملكة أو الجمهورية... الكل سواسية و هذا إن دل على شيء فإنما يدل على
مدى ديمقراطية و عدل الوباء.
ففي رمشة عين أصبحت الدول تترتب بعدد
مصابيها و أمواتها بعد ما كانت في الأمس
القريب تتعنى باقتصادها و قوتها العسكرية.
فالحرب اليوم حرب طب و علم ، حرب
بيولوجيا لا جيش و أسلحة، و الأكيد أن هذا الداء قد خلف أزمة عالمية و المؤكد أن هاته الأزمة سيكون لها ما بعدها و أن
ثمة متغيرات كبرى سوف يشهدها العالم على كافة الأصعدة و بالخصوص ما هو اقتصادي.
فلا عجب إذا رأينا في المستقبل القريب تغيرا في خريطة القوى الاقتصادية ، فرغم كل
الأزمات السابقة إلا أن الأمر هاته المرة تخطى المال و الأسواق و السلع و نمط و علاقات الإنتاج، و قفز مباشرة إلى تهديد حياة
الناس ، و الاستنتاج هنا أن المال لم تعد له قيمة، و أنه قد فقد فلسفته في ظل
الرأسمالية في كونه غير قادر على حماية
حياة الأفراد و المجتمعات بشكل مباشر...
معظم التوقعات الاقتصادية لعام 2020 كانت تتنبأ بسنة من النمو الثابت إن
لم أسميه بالنمو المتزايد، فقد شهد تحديث توقعات صندوق النقد الدولي لشهر يناير
ارتفاعا في النمو من %2,9 سنة 2019 إلى
%3,3 في 2020 ، و كانت هناك أسباب كثيرة لتفاؤل، منها اتفاقية التجارة بين
الصين و الولايات المتحدة الأمريكية، و خفض تأثير خروج بريطانيا من الاتحاد
الأوروبي، ثم جاء تفشي الفايروس التاجي و سبب صدمة كبيرة للاقتصاد العالمي.
الاتحاد الأوروبي بعد الكورونا :
أكبر الدول تأثرا بالفايروس في القارة
العجوز هم إيطاليا و إسبانيا و فرنسا، الآلاف من الأوروبيين ضحايا تفشي الوباء
اللعين، لقوا مصرعهم، لكن الأمر لم يقتصر عند الخسائر البشرية و الاقتصادية و فقط، بل إنه هدد أيضا استمرارية الاتحاد بعد
التعافي من الوباء و هناك العديد من المؤشرات على ذلك.
العديد من الممارسات و القرارات التي
اتخذتها عدة دول ألقت بظلال من الشك على مدى جدوى استمرارية التكتل الأوروبي.
ففي محاربتها للعدو الغير المرئي،
استخدمت أكثر من دولة أوروبية مصطلح "حالة حرب"، لكن هذا التعبير، ربما
ذهب بعيدا في أبعاده.
ففي سابقة تاريخية صادرت جمهورية
التشيك شحنة من المساعدات الطبية و
الأقنعة الواقية كانت قادمة من الصين في طريقها إلى إيطاليا، و عللت حكومة التشيك
تصرفها الأناني هذا بأنه وقع خطئا خلال ملاحقة قواتها البحرية لعدد من الأفراد
يتاجرون في ما هو ممنوع، و تعهدت برد
الشحنة إلى إيطاليا، الأمر الذي لم يتم لحدود كتابة هاته الأسطر، تحول الهلع و
الخوف إلى حالة من التوحش.
أما ألمانيا فقد انحازت عن التكتل و قررت حظر تصدير مستلزمات الوقاية
الطبية للخارج، حيث أن شعار'' ألا تضامن أوروبي '' أصبح هو ما يميز المرحلة، إضافة
إلى استولاء (سرقة) النازيين على شحنة من الكمامات متجهة إلى النمسا قادمة من
سويسرا، و أيضا شحنة بأكثر من 800 ألف قناع و مستلزمات أخرى كانت متوجهة إلى
إيطاليا، مما يعيدنا لعهد القراصنة و قطاع الطرق.
إيطاليا هي الأخرى خاضت هجوما عنيفا
عبر صحافييها موجهة أصابعها إلى الاتحاد الأوروبي غداة قراره بإرجاء اعتماد تدابير
قوية في مواجهة التداعيات الاقتصادية لتفشي الفايروس، و رفص رئيس وزرائها الإيطالي -بوسيبي كونتي-
التوقيع على الإعلان المشترك في حال لم يعتمد الإتحاد تدابير قوية و معقولة
لمواجهة الوباء ، و أسماها رئيس الوزراء "بحرب يتوجب علينا خوضها سويا".
فكل هاته المؤشرات و أخرى تُحي ربما
بنهاية اتحاد الشر، و قد صدق من قال - معادن الرجال تظهر عند الشدائد -
الشرق الأوسط "قنبلة موقوتة"
ستفجرها الكورونا
رغم انتشاره ببطء في الشرق الأوسط،
مقارنة بأوروبا و أمريكا، إلا أن عواقب الكورونا على الصعيد البشري و السياسي قد
تكون و خيمة بل و مدمرة في المنطقة.
فبعد إيران المتضرر الأول و الأكبر
بالمنطقة نجد -فلسطين المحتلة- أو ما يسمى بالكيان، هو الآخر يعاني في صمت، فرغم
نظامه الصحي المتطور المتشبه بالنمط
الغربي، و القدرة على تعبئة الموارد إلا أنه و بالفعل بدأت تظهر عليه علامات
العياء، فحصيلة المصابين و الموتى تزداد بشكل متسارع حسب تصريحاتهم حيث أن البعض
كذب الأرقام الرسمية المعلن عنها قائلين بأن الحصيلة الحقيقية أكبر من ذلك.
مشكلة دول الشرق الأوسط هي في المقام
الأول مشكلة دين، فأنماط المجتمعات التي يحكمها الدين غالبا ما تكون منعزلة و بطيئة في التغيير. و عندما أقول الدين فأكيد أن قولي
هذا لا يقتصر على الإسلام و أعطي مثلا بمجتمع "الحري ديم الأرثوذكسي"
المتشدد في - فلسطين المحتلة - حيث أنه
كان بطيئا شديد البطء في تبني إجراءات التباعد الإجتماعي الموصى بها دوليا.
و أيضا نحن المسلمين ، فثقافة التباعد
بعيدة كل البعد عن نمط عيشنا و حياتنا.
و دائما في الشرق الأوسط ، و الصراع
الحاد بين السعودية و روسيا في تخفيض أسعار النفط ، و هو ما أدى و سيزيد من زعزعة
الركيزة الإقتصادية لمعظم دول المنطقة،
حيث أن غالبية مداخيل هاته الدول تعتمد بالأساس على الذهب الأسود، و لا تمتلك بشكل
عام الموارد اللازمة للإستثمار العام الضخم لدعم نفقاتها من الأجور و الأعمال
المتعثرة باستثناء قطر طبعا.
إضافة إلى الأعداد الكبيرة و المهولة من
النازحين و اللاجئين التي يسببها القتال في المنطقة و هي المشكلة الأكبر التي
تواجه الآن انتشار الوباء.
سوريا، ليبيا، اليمن كل هاته الدول أو
ما تبقى منها تعاني قبل هذا من قلة الموارد و البنية التحتية الهشة و الأطقم و
الأجهزة الطبية، الجد جد محدودة، إذا لم أقل منعدمة ، فحتى إن وجدت فحتما لن
تستطيع التصدي و احتواء الفايروس الذي اجتاح حتى كبريات الدول فما بالك بصغارها.
فمنطقة الشرق الأوسط هي الأخرى ستكون لها
تداعيات و تغيرات ما بعد الكورونا أكيد.
و خلاصة القول أن الدرس الذي يجب تعلمه
من الفترة التي يعيشها العالم هو أن الأساس في كل المجتمعات هو العلم و الصحة،
فبدل تبذير أموال طائلة في شراء الأسلحة و الذخائر و أيضا شراء الولاءات و التقرب
لمن يحمينا من الدول العظمى ، فلنصرف تلك الميزانيات في الأبحاث العلمية و تطوير المناهج و كذا طرق التلقين و لا ننسى الصحة، فها نحن اليوم قد تناسينا كل
القطاعات و ركزنا على العلم ، فمجتمع متعلم، هو مجتمع يحترم قرارات الدولة و يلتزم
بما أمرته حفاظا على صحته أولا و اقتصاد دولته ثانيا و أيضا الصحة، فالجنود اليوم
هم أطباء و ممرضون و سلاحهم هو معداتهم فشكرا
كورونا لشفافيتك أولا و لتعليم المجتمع الدولي درسا سيتذكره الصغير و الكبير.
و أختم مقالي المتواضع هذا بتغريده لعالمة
البيولوجيا الإسبانية "تمنحون للاعب كرة القدم مليون أورو شهريا و لباحث بيولوجي 1800 أورو, و تبحثون عن
العلاج الآن، اذهبوا لكريستيانو رونالدو أو ميسي و سيجدان لكم العلاج"

0 التعليقات: